المنجي بوسنينة

370

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

وتحوّل داخل فوتاتورو من شيخ إلى شيخ آخر . وقيل إنّه وصل إلى بلاد « غنّار » ( بلاد شنقيط ) حيث درس على علمائها مسائل في النحو والبلاغة وغيرهما من الفنون والعلوم . تنقسم حياته الفكرية إلى ثلاث مراحل : 1 - المرحلة الأولى : تسمّى المرحلة الفوتية ، وهي مرحلة إقامته في فوتاتورو ، وفوتاجالون بين عامي 1820 - 1825 م . وكان التقى خلالها بعدد كبير من العلماء ، ومن بينهم الشيخ سعد دالين ( من فوتاجالون ) الذي ناقشه في مسائل الدين والحياة بصفة عامة . تذكر الروايات الفلانية حول لقائهما أساطير كثيرة لا يقبلها العقل ولا المنطق . وقد انتهى نقاشهما إلى اعتراف الشيخ سعد دالين بأن الحاج عمر أعمق منه دراية في المسائل اللغوية العربية والشرعية الأصولية ، كما اعترف الحاج عمر بأن سعد دالين أعمق منه علما في الحكمة وفي قضايا إفريقيا ، وخاصة منها قضايا اللغة والتاريخ [ محمد علي تيام ، 120 ] . 2 - المرحلة الثانية : هي مرحلة السفر إلى مكّة المكرّمة عبر سوكتو ( نيجيريا ) حيث التقى بالشيخ محمد بلّو بن عثمان دان فودي الذي زوّجه ابنته ، وقد تأثر به الحاج أيّما تأثر ، وخاصة في الأمور الشرعيّة العلميّة . إذ ذاك اقتنع الحاج عمر بأنّ الشّريعة لا يمكن تطبيقها في غياب السلطة . من هنا بدأ هاجس الجهاد يراوده . انتقل من سوكتو إلى فزّان ، ومنها إلى مصر ، فالتحق بجامعة الأزهر حيث جرت بينه وبين علمائها مناقشات علميّة معمّقة أفضت إلى الاعتراف به أحد علماء السودان الأجلّاء [ محمد علي تيام ، 73 ] . ترك مصر إلى الحجاز حاجّا ، فالتقى في المدينة المنوّرة بالشيخ المغربي محمد الغالي التيجاني الذي أعطاه إجازة الطريقة التيجانية ، وجعله مقدّما في بلاد السودان . ومن المدينة المنوّرة انتقل إلى بيت المقدس ، فإلى مصر من جديد ، ثمّ إلى السودان الغربي . وقد تعلّم الحاج عمر خلال هذه الرحلة أشياء كثيرة منها أن التهديد الأوروبي خطر على العالم الإسلامي كلّه ، وأن السبيل الوحيد لمواجهة هذا التهديد هو إعلان الجهاد على القوى الأوروبية [ محمد علي تيام ، 125 ] . 3 - المرحلة الثالثة : مرحلة الجهاد ونشر التيجانيّة ، فقد وجد في فوتاتورو مسقط رأسه نفوذ فرنسا متزايدا حتى أصبحت الزعامات المحلية متواطئة مع القوى الأوروبية ، فأعلن الجهاد ضدّها عام 1852 م ، لكنه سرعان ما أدرك اختلال توازن القوى . هذا ما جعله يسحب قواته من فوتاتورو متجها نحو الشرق ، ومناديا أحرار بلاده إلى اتّباعه في هذه الهجرة . فهاجر معه عدد كبير من الفوتيين ، لكنه لم يوفق في هذه الرحلة ، إذ اصطدم بالقوى الفلانية المحافظة التي فشل في إقناعها بترك الطريقة القادرية واتّباع الطريقة التيجانيّة ، فنتجت عن ذلك معركة أودت بحياته في مغارة « دانما مبري » بمالي . أمّا تلاميذه في المنطقة فهم كثيرون ، كما أن أتباع الطريقة التيجانية هم اليوم أكثر المسلمين في غرب إفريقيا . ومن هؤلاء التلاميذ الكبار نذكر : الحاج مالك بن عثمان سي في مدينة تيراوون ، ومحمد بابا تال في فوتاتورو ، وغيرهما من العلماء . آثاره على الرغم من انشغاله بالجهاد ، كان الحاج عمر من الكتّاب المكثرين والمجيدين ، فقد